12 مايو، 2018

وجوه لن أراها مرة أخرى

نقابل في حياتنا وجوها تمر علينا مثل فراشة تخطف بسحر ألوانها أبصارنا ثم سرعان ما تتلاشى وسط دخان الحياة.

في يوم لا أنساه خطفتني امي من أيام تندر فيها البهجة وحملتني إلى عالم سحري. التحمت يدي بيدها وانا أدخل معها بوابة الاحلام، لتنبهر عيني بما لم أكن احلم بوجوده. كنز كبير من الكتب لم ترى عيني الصغيرة مثله من قبل. أظن أنني حينها  كنت دون السادسة من عمري، وكان معرض الكتاب لا يزال يقام في المكان الذي بنيت فيه دار الاوبرا الحالية، وأذكر أنه كان يسمى أيضا أرض المعارض. أتذكر انبهاري الشديد وأنا أرى كل هذا الكم من الكتب التي كانت رؤيتها في حد ذاتها تمثل لي مصدراً للسعادة. أذكر أنني في ذلك اليوم اشتريت قصة "بيتر بان والكنز" وكنت في شدة السعادة وانا أحتضنها عند رحيلنا.  كم من مرة ذهبت بعد ذلك للمعرض، وكم من كتب اشتريت، ولكن يظل لهذه المرة الأولى مذاقها الخاص الذي مازال يذوب في فمي حتى اليوم، يخفف من مرارات تتوالى دون أن تمنحني هدنة. كنت دوما أذهب بصحبة امي حتى اشتد عليها المرض. ظللت فترة بعد رحيلها لا استطيع الذهاب، وواجهت صعوبة بعد ذلك، حتى لا تسقط دموعي وانا أسير هناك لأول مرة وحدي. صرت الآن عندما اذهب أتذكر ذلك الوجه الذي أضاء لي طريقا بنوره وصحبني اول مرة إلى عالم الاحلام السحري، فيكون اول ما أفعله بمجرد دخولي لمعرض الكتاب أن أدعو لأمي بالرحمة.
**********
سألني كيف يعرف السعر، بعد أن رآني أحمل كتابين من نفس سلسلة الكتاب الذي يحمله. أخبرته أن السعر على الغلاف من الخلف، قلب الكتاب، لكنه كان يرى الأرقام بصعوبة رغم نظارته السميكة، فقرأتها له. لكنني استدركت بسرعة بعد أن لمحت مكتوبا على لافتة تعلو الكتب أن هناك خصم 50%، فأبدى بعض الارتياح. تقدمت قليلا والتفت ورائي فوجدته عاد ليختار كتبا أخرى.  كان يسير بصعوبة، ينبئ عنها صوت لهاثه الذي كان يرتفع كلما تحرك قليلا. كان يرتدي قلنسوة كبيرة لكنها لم تكن تخفي شعره الأبيض الذي بدا غزيرا رغم سنه. لا أعرف لماذا تمنيت أن يطول بيننا الحوار، لعلها الطيبة التي أحسست بها تتدفق من عينيه. لا أنكر أنني كنت أرمقه ببعض الحسد وتمنيت أن أظل قادرة على الذهاب لمعرض الكتاب لو عشت وبلغت نفس عمره.
************************
جذبتني يد في الزحام جذبة خفيفة، صاحبها نداء بدا خافتا وسط الضجيج. عاودت جذبي عندما لم أجيب.  التفت فوجدتهما ورائي. طفلتان صغيرتان، كانت اكبرهما تبدو في التاسعة من عمرها، ترتدي حجابا وردي اللون، بينما الثانية بدت في السادسة من عمرها، وكان وجهها مرسوماً عليه بالألوان ليبدو مثل وجه قطة. بدأت اكبرهما الحديث، تلعثمت قليلا بكلمات بدا أنها قد استغرقت وقتاً طويلاً في حفظها.  كانت تلقي علي دعاية لشيء ما لم افهم كثيرا كنهه، لكنها أخذت تضحك فيما بدا ردا على ضحكاتي التي أطلقتها فرحتي برؤيتهما. بدأت الصغيرة هي أيضاً تضحك، لكن الكبيرة نظرت في اتجاه ما، فعاودت الجدية، وبدأت من جديد تلقي دعايتها،  اعطتني في النهاية بعض الأوراق وطلبت مني أن أزور موقعهم، فوعدتها بذلك، فشكرتني هي والصغيرة وانطلقتا تجريان تصحبهما ضحكاتهما. نظرت لهما وهما تبتعدان،  كنت أتمنى لو أجري معهما، وادعوهما للعب معي، لكنني استدرت في بطء ومضيت في طريقي.

24 ديسمبر، 2016

التابوت الزجاجي

منذ سنوات بعيدة .. عندما كنت صغيرة لم أدخل المدرسة بعد..كانت لي هواية غريبة بعض الشيء. بعكس الأطفال الذين يحبون في هذا السن مجلات الصغار المصورة.. كنت أنا أفضل تصفح ما كانت امي تطلق عليه "المجلات الصينية". لا اعرف إن كان هذا بالفعل اسمها الحقيقي..ولا أدري حتى الآن من كان يشتريها ولم..لكن كعادة الأطفال عندما يعجبهم شيئا صارت هذه المجلات من ممتلكاتي. . حتى أن كل من في البيت- أمي وأبي واخواتي - صاروا ينسبونها لي بسبب ما رأوه من شدة إعجابي بها وحرصي الشديد على المحافظة عليها.. صارت "مجلاتي الصينية". أذكر أني كنت اجلس لوقت طويل في تصفحها.. رغم أني لم أكن أجيد في ذلك الوقت القراءة.. حتى وإن كنت اجيدها. فالمجلات كانت كلها باللغة الصينية. لكن الصور هي ما كانت تجذبني. عندما أذكرها الآن أظن أنها كانت مجلات دعائية فقد كانت تمتلئ بصور الأماكن الطبيعية الساحرة في الصين ومبانيها وبيوتها ذات الطابع الخاص والتي كنت أحبها كثيرا. جعلتني تلك المجلات أحب الصين واحب التطلع في وجوه أهلها الذين كانوا يبدون في عيوني الصبية مثل الدمى الجميلة. لكنني ذات يوم وجدت في إحدى المجلات أمرا آثار دهشتي الشديدة.. فقد كانت المجلة تمتلئ بصور غريبة لم أفهمها فاستعنت بأمي لعلها تستطيع أن تشرح لي ما يدور في تلك الصور التي بدت لي كلغز.  لقد كان في الصور تابوت زجاجي وبداخله رجل مسجى تخيلت أنه نائم لكنني لم أعرف سبب تلك النومة الغريبة ولم أفهم لم كان الناس من حوله ينحنون أمامه بل وبعضهم يقترب بشدة من الأرض كأنه يسجد له. قالت لي أمي التي لم يبدو أن الصور قد أثارت دهشتها مثلي إن الرجل هذا هو الزعيم الصيني ماوتسي تونج وإنه ليس بنائم وإنما هو ميت.. فسألتها وقد زاد كلامها من حيرتي إن كان ميتا فلم يضعونه في ذلك التابوت ويعرضونه على هذا النحو المخيف.. فاجابتني إنهم على العكس إنما يفعلون ذلك لتكريمه وتبجيله وأكدت كلامها وهي تشير إلى تلك الصور التي تظهر الناس وهم ينحنون بشدة أمام التابوت.. لكن كلامها لم يغير مشاعري, ظلت الدهشة تتملكني بل زاد تفسيرها للصور من استغرابي.. وظللت أتساءل في نفسي عن غرابة هذا الوضع الذي كان بجانب الدهشة والخوف يثير في نفسي بعض الاشمئزاز.  بمرور السنوات عرفت ان ليس الصينيون وحدهم من يفعلون ذلك.. هناك أيضا من الشعوب من يضعون زعماءهم في توابيت زجاجية يسجدون أمامها حتى وهم أحياء.  بمرور السنوات زالت دهشتي وانقشع الخوف.. ولكن ظل يلازمني الاشمئزاز..

27 ديسمبر، 2015

عام سعيد

لا أعرف لماذا يفرح الناس بالعام الجديد.. لماذا دوما يتوقعون انه سيكون مختلفاً .. رغم أنه لا يوجد أي شيء مختلف حولهم, لا يوجد شيء ما ينبئ بحدوث ذلك الاختلاف, فالظروف من حولهم تظل كما هي, وهم أنفسهم لا يتغيرون في شيء, لن يتغير شيء بإغماض العيون عند سماع دقات الساعة الثانية عشر, مادام كل شيء يظل على حاله, خاصة الناس, لكنهم مازالوا يصرون بشدة أن العام الجديد يحمل الاختلاف, هكذا يمنون أنفسهم, بمبدأ المتفاؤل, أو يخدعون أنفسهم بمبدأ المتشاؤم, أو إنه السبيل الوحيد, بمبدأ الواقعي,  ليتمكنوا من إحكام الحبل جيداً حول أجسادهم ليستكملوا صعود الجبل دون أن تخور قواهم وقبل أن يدركوا أنه بوصولهم للقمة التي يتوقعونها ستبدأ حينئذ مسيرة انحدارهم التي لن يوقفها أحد ولا حتى تهنئة بالعام الجديد.
لا يخبرني أحد أن في العام القادم ستتحقق الأمنيات التي طال انتظارها, على أي أساس؟ لو كانت الأمنيات ستتحقق لتحققت من قبل, أم كانت في محطة ما تنتظر وصول العام القادم, والعام الماضي كان يكبل قدميها, حتى أتى العام الجديد بسيفه فحررها وحملها على فرسه الأبيض, تاركاً العام المنصرم غارقاً في دمائه.
الأيام لا تحبس الأمنيات, بل تعتقلها أحوال الناس وشخصياتهم التي لا تتغير. العام الجديد لا يحقق الأمنيات ولا يعيقها, فكل ما يستطيعه هو إنهاء وعاء الفيشار الضخم الذي يحمله وهو يجلس ليتفرج على مسلسل أفعالنا على شاشة عرض الحياة, قبل أن تنتهي مدته ويأخذ لقب القديم, لينهض حتى يجلس مكانه ما يأخذ لقب العام الجديد.
إذا أردت ان تحقق الأمنيات ستحققها في العام الجديد او قبل أن يأتي أو عندما يحل العام الذي يليه, لا يهم متى, ستحقق الامنيات عندما تريد, عندما حقاً تريد. 
دعت لي بحسن نية صديقة لا تعرفني جيداً بان يحقق لي الله ما أحلم به في العام الجديد, لتتسع رقعة دهشتي الشديدة من الناس, وكيف يصرون إصرارا غريبا على قولبة الجميع تبعا لظنونهم ومقاييسهم. مادام العام الجديد قادماً فسيكون جميلاً وستحقق فيه أحلامك. من قال لهذه أن تغير رقم 31 إلى 1 يعني لي شيء, ما الفرق الكبير؟ قد يكون المعنى الوحيد ان استمرار الماء المهدور في التدفق من الصنبور المفتوح بلا فائدة قد يجعل الحل الوحيد هو غلق الصنبور للأبد. ما أحلم به؟ من قال لها إنني أحلم, الحقيقة أنا والأحلام لم نتفق منذ زمن بعيد, فتحت باب القفص وطارت وتركتني مع وليفي الجديد, يأسي الحبيب الذي يتحملني ويصبر علي, ويعرف أنني سأدرك تماماً عما قريب إنه ليس لي سواه.

05 أكتوبر، 2015

صباح الخير يا مدونتي العزيزة

ها أنا قد عدت إليك.. فهل تتذكريني؟! الحقيقة أنا لن أغضب حقاً لو لم تفعلي.. فأنا نفسي أحاول..
لقد عدت بعد فترة طويلة اتصفح تلك المشاركات .. فوجدتني أشعر كأنني أقرأ شخص آخر..
هل هو الغياب.. أم ان الانسان يتغير حقا بتغير مراحل حياته..
يقال أن المسن هو شخص مختلف عما كان عليه وهو شاب والذي هو يختلف بدوره عما كان عليه وهو طفل..
إنك لا تصدق ما يقال حتى تمر به شخصياً, ولكن يكون الوقت قد فات لتدركه..
لا انكر ان العودة كانت تلح عليّ من حين لآخر.. لكنها كانت مثل أشياء كثيرة في حياتي تظهر دون سبب وتتبخر سريعاً دون سبب..
منذ فترة كنت أبحث عن معنى كلمة على النت فوجدتها فجأة تحيلني إلى مدونة قديمة فتحت علي أبواب الحنين..
كانت مدونة لكاتبة شابة لم أكن أعرفها من قبل, لكن كتاباتها كانت جميلة حقاً..لكن كان من الواضح أنها قد هجرت تلك المدونة منذ سنوات وتوقفت للأسف عن الكتابة فيها.. لا أعرف ان كانت قد استمرت في الكتابة في مكان آخر أم لا.. لكن شعور غريب بالحزن اجتاحني وأنا أمر بين أطلال تلك المدونة واستشعر روح صاحبتها وأرواح اصدقائها المعلقين على المشاركات..
حينئذ تذكرتك بعد أن تهت مني في أيام بلا لون مرت في صمت قاتم... تذكرت أن لي انا أيضاً أطلال تركتها نهباً لخيوط العنكبوت..
لكني حقا لا اتذكر لماذا بدأت في الأصل في الكتابة فيك ولا اتذكر لماذا توقفت..
واضح من آخر مدونة كتبتها إنها كانت في تلك الفترة التي تكاثرت فيها التناقضات واحاط فيها الغموض بأمور كثيرة..
لقد كتبت مدونات أخرى بعدها لكنني لم أنشرها.. لعلي كنت أرغب في الانتظار حتى تتضح الأمور
لكن يبدو أن الأمور لم تتضح حتى الآن..
وفي وسط هذا التخبط كتبت يوماً ما هذه الكلمات:
(عارف لما تقف على المحطة مستني الاتوبيس, وتفضل وقت طويل مستني وهو ما بيجيش. ساعات وساعات من الانتظار, يجي تلاتين ساعة كده. وفجأة تلاقيه جي من بعيد فتفرح وتستعد, خلاص يا جماعة هنركب الاتوبيس ونوصل لبر الأمان. لكن فوجئت ان الاتوبيس بدل ما يقف في المحطة مشي بعيد جدا وما وقفش, مشي بسرعة كأنه بيطلعلك لسانه ويبعد ويختفي وتفضل انت مستني ومستني الاتوبيس اللي عمره ما حيجي لانه جه خلاص وعدا وفات 
وعارف كمان لو حصل في يوم وركبت الاتوبيس لكن فوجئت بعدما ركبت انه مش هو الاتوبيس اللي انت كنت فاكره وفوجئت بان السواق غريب قوي ومش عارف يسوق وعمال يخبط في العربيات يمين وشمال ولو حصل واعترضت لقيت بقية الركاب مبسوطين قوي بالسواق وبيبصولك نظرات اتهام ويقولولك أقوى تعبير يفحمك ويخليك تحط لسانك جوا بقك: "اللي مش عاجبه ينزل ياخد تاكسي"!! ) المشكلة انك لا عارف تركب ولا عارف تاخد تاكسي..
مدونتي العزيزة اعتقد انك الآن أدركت لماذا توقفت عن الكتابة..